الشوكاني

444

فتح القدير

وصفاته ( فأنى تصرفون ) أي كيف تستجيزون العدول عن الحق الظاهر وتقعون في الضلال إذ لا واسطة بينهما ؟ فمن تخطى أحدهما وقع في الآخر ، والاستفهام للإنكار والاستبعاد والتعجب ( كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ) أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق كذلك حقت كلمة ربك : أي حكمه وقضاؤه على الذين فسقوا : أي خرجوا من الحق إلى الباطل وتمردوا في كفرهم عنادا ومكابرة ، وجملة ( أنهم لا يؤمنون ) بدل من الكلمة . قاله الزجاج : أي حقت عليهم هذه الكلمة ، وهي عدم إيمانهم ، ويجوز أن تكون الجملة تعليلية لما قبلها بتقدير اللام : أي لأنهم لا يؤمنون . وقال الفراء : إنه يجوز إنهم لا يؤمنون بالكسر على الاستئناف ، وقد قرأ نافع وابن عامر ( كلمات ربك ) بالجمع . وقرأ الباقون بالافراد . قوله ( قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده ) أورد سبحانه في هذا حجة خامسة على المشركين ، أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقولها لهم ، وهم وإن كانوا لا يعترفون بالمعاد ، لكنه لما كان أمرا ظاهرا بينا ، وقد أقام الأدلة عليه في هذه السورة على صورة لا يمكن دفعها عند من أنصف ولم يكابر كان كالمسلم عندهم الذي لا جحد له ولا إنكار فيه ، ثم أمره سبحانه أن يقول لهم ( قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون ) أي هو الذي يفعل ذلك لا غيره وهذا القول الذي قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أمر الله سبحانه له هو نيابة عن المشركين في الجواب ، إما على طريق التلقين لهم وتعريفهم كيف يجيبون وإرشادهم إلى ما يقولون ، وإما لكون هذا المعنى قد بلغ في الوضوح إلى غاية لا يحتاج معها إلى إقرار الخصم ومعرفة ما لديه ، وإما لكون المشركين لا ينطقون بما هو الصواب في هذا الجواب فرارا منهم عن أن تلزمهم الحجة أو أن يسجل عليهم بالعناد والمكابرة إن حادوا عن الحق - ومعنى ( فأنى تؤفكون ) فكيف تؤفكون : أي تصرفون عن الحق وتنقلبون منه إلى غيره . ثم أمره الله سبحانه أن يورد عليهم حجة سادسة فقال ( قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق ) والاستفهام هاهنا ، كالاستفهامات السابقة ، والاستدلال بالهداية بعد الاستدلال بالخلق وقع كثيرا في القرآن كقوله - الذي خلقني فهو يهدين - وقوله - الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى - وقوله - الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى - وفعل الهداية يجئ متعديا باللام وإلى ، وهما بمعنى واحد . روى ذلك عن الزجاج . والمعنى : قل لهم يا محمد هل من شركائكم من يرشد إلى دين الإسلام ويدعو الناس إلى الحق ؟ فإذا قالوا لا ، فقل لهم : الله يهدي للحق دون غيره ، ودليل ذلك ما تقدم من الأدلة الدالة على اختصاصه سبحانه بهذا ، وهداية الله سبحانه لعباده إلى الحق هي بما نصبه لهم من الآيات في المخلوقات ، وإرساله للرسل وإنزاله للكتب ، وخلقه لما يتوصل به العباد إلى ذلك من العقول والأفهام والأسماع والأبصار ، والاستفهام في قوله ( أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدى إلا أن يهدى ) للتقرير وإلزام الحجة . وقد اختلف القراء في ( لا يهدى ) فقرأ أهل المدينة إلا نافعا " يهدى " بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال فجمعوا في قراءتهم هذه بين ساكنين . قال النحاس : والجمع بين ساكنين لا يقدر أحد أن ينطق به . قال محمد بن يزيد : لا بد لمن رام مثل هذا أن يحرك حركه خفيفة إلى الكسر ، وسيبويه يسمى هذا اختلاسا . وقرأ أبو عمرو وقالون في رواية بين الفتح والإسكان . وقرأ ابن عامر وابن كثير وورش وابن محيصن بفتح الياء والهاء وتشديد الدال . قال النحاس هذه القراءة بينة في العربية ، والأصل فيها يهتدى ، أدغمت التاء في الدال وقلبت حركتها إلى الهاء . وقرأ حفص ويعقوب والأعمش مثل قراءة ابن كثير إلا أنهم كسروا الهاء ، قالوا لأن الكسر هو الأصل عند التقاء الساكنين . وقرأ أبو بكر عن عاصم ( يهدى ) بكسر الياء والهاء وتشديد الدال وذلك للاتباع . وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى بن وثاب ( يهدى ) بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال من هدى يهدى . قال النحاس : وهذه القراءة لها